خليل الصفدي
262
الوافي بالوفيات ( دار صادر )
ونفخ رماد سحابها المنجلي عن اللهب ، وصفّح جوها الفضي وسمرته الشمس بالذهب ، وجلا صدأ تلك الليلة عن صفيحة ذلك اليوم المشمس ، وبدّل بذلك الضوء المطمع من ذلك الغيم المؤيس ، ونقى لازورد السماء من تلك الشوائب ، ووقى عرض ذلك النهار اليقق من المعايب ، وأترع غدير ذلك الصباح خالصا من الرنق ، وضوّع عنبر ذلك الثرى خاليا من اللثق ، وأطلع شمس ذلك اليوم يوشّع جانب مشرقها ، ويوشّي بذائب اللهب رداء أفقها . فقلت : كأنما اليوم وقد موّهت * مشرقها الشمس ولا جاحد ثوب من الشّرب ولكنّه * طرّز منه كمّه الواحد أستغفر اللّه بل بشّر ذلك البشير بل الملك الكريم ، وصفيحة وجهه المتهلل الوسيم ، بل صحيفة عمله ، وصبيحة أمله ، وأنموذج إيثاره ، وصنو يده البيضاء وآثاره ، وشبيه ما بفضّة لؤلؤه من نثاره ، وغير هذا من ندى أياديه البيض على إقلال العدّ أو أكاره . للّه تلك اليد المقبّلة ، وللّه تلك اليد المؤملة ، وللّه تلك المواهب المجزلة ، وللّه تلك الراحة التي لا يقاس بها الثريا ولا تجيء الجوزاء أنملة . وللّه ذلك البيان الساحر ، وذلك البنان الساخر ، وذلك اللسان المذرّب والبحر الزاخر ، وذلك إلا لسان الذي طال باع علمه ، وطار فأوقد ضرام اليوم المشمس شعاع فهمه ، وطاب جنى ثمره وجناب حلمه ، وطاف الأرض صيته ونفق كاسد الفضائل باسمه ، وللّه للّه لسيد جاء بالفضل كلّه ، وألّى بالأمر على جلّه ، واقتبس من نوره وأوى إلى ظله . لقد ألبس المملوك رداء الفخار ، وعرفه العوم وكان لا / يطمع أن يشق بحره الزخّار ، ومحا عنه صبغ دجنّة تلك الليلة وقصر من ذيلها ، وقهقر من سيلها ، وأخذ بعقيصتها وغرّق في تيار النهار سوداء ليلها ، وأطلق لسانه من الاعتقال ، وأنطق بيانه فقال ، ووفقه في البيان ولولا توفيقه ما نطق ، ووقفه ولولا إيقافه لغبّر على